الأمس كان يوما طويلا، ومزدحما.. بدأ بخبر في المصري اليوم عن انتحار طالب وطالبة في الثانوية العامة.
لم اجد وقتا لأكتب تدوينتي اليومية.. وكان لابد أصلا ان اكتبها لأفكر في سؤال تركته باﻷمس.. والحقيقة أنني كنت قد قررت إرجاء التفكير فيه لأكتب عن هذا الانتحار الذي إن حدث في مجتمع صحي نوعا، لهز كيانة ووقف عنده كثيرا، ولكنه جاء ليضع خطا عريضا أمام عيني تحت كلمة "المصريين"
تعمدت أن اخبر كل الناس به.. أريهم المانشيت.. واسكت لأرى رد الفعل، وكانت الاراء تقريبا واحدة.. المشكلة الأساسية ليست صعوبة الامتحانات بقدر ما هي "في الأهالي"، هذا التصور المخيف لفكرة الثانوية العامة، انها محور حياة ابنائهم، وحياتهم،
فالذي حدث هو، أننا -لنقص شديد في فهمنا لقيم العمل والشرف والوجاهة- نرى الناس والعائلات طبقات حسب درجاتهم التعليمية, وبالتالي لا يحتمل اب ان لا يكون اولاده في الجامعة، ولا حتى ولد واحد.. ويشعر بالخزي اذا انحرف احدهم عن هذا الطريق، وبالمقابل يتطلع كل اب ليس جامعي، ان يجعل ابنائه جامعيون ليرتفع بمستوى الاسرة الاجتماعي..
هذا الهوس ينتقل للأبناء.. بالرضاعة.. بالتربية.. وبالتهديد اذا لزم الامر
ويصبح دور الاب والام هو الحصول على الاموال اللازمة لتوفير ثمن الدورس الخصوصية للأبناء -ولتضع ما تشاء من علامات التعجب بعد كلمة "حصول" ففي ظل مرتبات هزيلة وارتفاع اسعار كما ذكرنا، لابد ان نتوقع الاشكال المختلفة للحصول على تلك الاموال- ، والابناء يأخذون دروسا في كل المواد، وهناك مواد مثل الفيزياء والرياضيات يأخذون فيها درس عند اثنين من المدرسين، فتسمع الطالب يقول لك، فلان جيد في الشرح وعلان جيد في المراجعة، ولابد ان أبدأ معهما من بداية العام لأنهم لا يقبلون "متحولين من مدرس آخر" خلال العام!!!
كل ذلك بجانب التصور الحالي أن الانسان الطبيعي هو من يحصل على 100% واكثر.. ولأننا نسمي بعض كليات بالقمة وهو ما يكرس المفهوم الطبقي بناءا على الدرجة التعليمية
ويتضخم غول الثانوية العامة،
ويصبح الحال مأساويا كل عام، وكل هذا بسبب قناعتنا المشوهة بمفاهيم الوجاهة الاجتماعية.. لابد ان يدخل الولد والبنت الجامعة، حتى لو لم يتعلم شيئا حقيقيا في ظل انهيار حقيقي لمؤسسة التعليم الجامعي -على الاقل هذه تجربتي مع كليتي- فضلا عن التعليم ما قبل الجامعي، وحتى وهو واهله متأكدون انه سيخرج من الجامعة ولا يجد عمل
وكأن كل هذا ليس بكفيل للقضاء على الصحة النفسية للطلاب والاهالي، فنسمع عن تسريب امتحانات الثانوية العامة لأبناء الاغنياء في المنيا، لينتحر "حسن" طالب الثانوية العامة، بعد ان وجد ان والده يهدده بالضرب والطرد من البيت اذا رسب، وجاءت امتحانات الرياضيات -على تنوعها- صعبة ومريخية، وتسربت نفس تلك الامتحانات لابناء الاغنياء، فهو فجأة بلا مكان تحت الشمس.. هكذا تصور حسن، وانتحر.. انتحر لأن مجتمعا كاملا يدفعه لليأس
قليلون هم من يتخلصون من تلك الضغوط، ويتخطون ازمة الوجاهة في تعاملهم مع الحياة والثانوية العامه، و ليخبط المجتمع كله رأسه في اكبر حائط. قرأت هذه التجربة واحترمتها كثيراً
وإذا كنت أرى ان انتحار الطالبين -رحمهما الله وغفر لهما- ما هو إلا أزمة نفسية حادة، فهناك المئات والآلاف من الطلبة أصبحت لديهم أزمات نفسية على اختلاف درجاتها وحدتها، فنحن أجيال لدينا من المشكلات في التعامل مع الحياة ما كان سببه الأول "الثانوية العامة"، وأقول نحن، لأنني كنت إحدى طالبات الثانوية العامة في مرحلة من أزهى عصورها في القمع والتخريب النفسي، مرحلة "التحسين" لو تتذكرون.
ربما كان من الضروري ان اتوقف عند هذه الحادثة، لأنها اضافت لدي ابعاد جديدة في مشكلتي الحالية مع اوضاعنا المصرية. وربما كانت الثانوية العامة مثالا جيدا لما اتحدث عنه في تدويناتي الأخيرة.. إلى الغد إذن.
التعليقات
انا كنت اتكلمت
انا كنت اتكلمت برضه عن موقفي من الثانوية العامة والتعليم الجامعي http://mshedou.blogspot.com/2008/02/blog-post_02.html. فيه ناس قليلة بتقدر انها تواجه العبث ده وما تبقاش جزء منه. انا اول سنة ليا في الثانوية العامة مثلا حضرت الدروس شهر واحد ثم قررت الانسحاب من القرف ده كله مرة واحدة، بطلت دروس ومدرسة وحرقت الكتب وما رحتش الامتحان!! بس حظي حلو ان اهلي ما كانوش بيقدروا يجبروني، وانا اساسا ما كنتش بخبي اي حاجة بعملها. بس دي تجارب نادرة. معظم الناس غير قادرين على ايقاف قطار التقاليد منزوع الشبابيك بطيء السير ملوث البيئة وقاتل راكبيه احياناً ايضاً!
Excellent blog entry ya
Excellent blog entry ya Zeinab. Very well thought. One comment though, it is not the "rich" that got the exams before "judgment day" but the sons of police officers. That just tells you how corrupt our country is! Thank you again.
أهلا راضي :) يا
أهلا راضي :) يا خطوة عزيزة
بيتهيئلي كويس ان الولد عرف انهم "الاغنياء" بس في المطلق كده، والا لو كان عرف انهم "اولاد الظباط" كان فجر نفسه في المدرسة.. قضا اخف من قضا
بصراحه مقاله
بصراحه مقاله ممتازه وتدل على فهم حقيقى للواقع وربنا يبارك فيمن كتبها وهى تدل على موهبه اظن انها ستكون يوما ما لفرد له شأن عظيم باذن الله
............لماذا لا نحول الليمون الى عصير ...........
تهدف جمعية علمنى أولا والتى تعتبر متخصصه فى رعاية المراهقين على عدة مبادئ
1-توفير فرصة عمل لخريجى العلوم والتربيه والاداب
2- التقليل من جشع المدرسين وذلك بانتشار المدرسين الاكفاء
3-البديل التربوى للمدرسه التى فقثدت وظيفتها
4-التنظيم الدراسى للطلبه
5-دورات لتعريف الاباء كيفية التعامل مع ابنائهم فى الاعمار المختلفه
6-توفير جو الصحبه الصالحه والناصح الكبير للمراهقين
7-دورات فى التنميه البشريه لكافة المجالات الحياتيه
8-المتابع والناصح الأمين والبديل الاساسى لدور الوالدين والذين أصبحا منهمكين بشده فى توفير المال اللازم
9-حماية عقول المراهقين من البرمجات المختلفه المحيطه بهم
10-تنظيم أوقات الفراغ للمراهقين بدلا من اضاعتها فى التوافه
11-توفير المراجعات المتنوعه فى جميع المواد للطلبه واختراق حاجز الخوف من الامتحانات وذلك باستغراق أوقات مطوله معهم فى الحلول المختلفه
12-استغلال وقت الفراغ عند بعض المتطوعين وتوجيهه لهذه المرحله
...........الخ
قال أحد العلماء"نحن وهم فى صراع على الجيل القادم"
فهل يود أحد المشاركهفى هذا المشروع الضخم
تعلـيق